السيد محمد تقي المدرسي
99
من هدى القرآن
وكذبوا بكل شيء . كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ قال بعض المفسرين : إنها نذر العذاب المباشرة حيث اصفرَّت وجوههم في اليوم الأول ، واحمرَّت في الثاني ، واسودَّت في الثالث . . والذي يظهر من سياق القرآن أن النذر هو كل ما يحذر الإنسان ويخوفه من غضب الله وعذابه ، وقد كذبت ثمود بالرسول ، ورسالته ، وبآيات العذاب ، وبالناقة ، وكلها من نذر الله . [ 24 ] وحيث يحتاج الإنسان إلى تبرير مواقفه وتصرفاته مهما كانت ، فقد لجؤوا بعد رفض الحق إلى الأفكار والضلالات الجاهلية ، التي تناقض أبسط المعايير المنطقية عند البشر إنهم حاولوا تقييم الرسالة وقيادة الرسول صلى الله عليه وآله من خلال مصلحتهم وواقعهم المادي المنحرف ، فما داما لا يلتقيان معهما فليسا بحق . هم أرادوا الرسالة رسالة هوى وتبرير فجاءت بالحق والمسؤولية ، وأرادوا الرسول مثلهم في قيادته ومظهره فوجدوه قدوة الخير والصلاح . فَقَالُوا ويبدو أن القائلين هم الملأ المستكبرون الذين كانت قيادة صالح عليه السلام مناقضة لمصالحهم ، لذلك سعوا جهدهم إلى محاربته ، ويدل على ذلك قوله تعالى : قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ [ الأعراف : 75 ] ، وأرادوا بذلك تشكيكهم في شرعية قيادته ، وهنا أرادوا الغاية نفسها ، وحيث لم يجدوا سبيلا لمواجهة الرسالة نفسها سعوا إلى النيل من شخصية الرسول ، فقالوا : إنه ليس مرسلا من قبل الله لأن الله لا يرسل بشرا ، وبالتالي فاتباعه ليس واجبا ، وهذه الفكرة تشبه إلى حد بعيد قول البعض عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه عبقري وحسب ليثبتوا عدم لزوم طاعته ، وقد أضاف قوم صالح إلى ذلك أنه مثلنا ومن محيطنا ولا شيء يميزه عنا يدعونا إلى اتباعه ، ثم إنه واحد لا مال له ولا أعوان ، فهو مجرد عن عوامل القوة التي تبعثنا إلى طاعته والخضوع له ، وقد يكون معنى وَاحِداً أنه جاء بنظام سياسي يدعو إلى قيادة موحدة ، ونبذ النظم القبلية والعشائرية القائمة على أساس تعدد القيادات ، والتي تفسح المجال لكل مترف ومستكبر لممارسة شهوة الرئاسة ، وهذا لا يتفق مع أهوائهم ، كما قال كفار قريش : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ ص : 5 ] . أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ واعتبروا اتباعه مع هذه الصفات ضربا من التيه ، بل الجنون ، واعترافا صريحا منهم بخطأ سيرتهم الماضية ، إضافة إلى كونه يجردهم من الرئاسة ، ولذلك رفضوا قيادته واتباعه . إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ السُّعُر هو الجنون الشامل المستمر . والحق أن هذه كلها